عبد الملك الجويني

396

نهاية المطلب في دراية المذهب

هو مقتضى الحرمة ، ومقتضى اللفظ مقابلةُ الألف بالثلاث . وأما وجه النص ، فهو أن الطلقات لا تُعنَى لأعيانها ، وإنما الغرض الأحكامُ المرتبةُ عليها ، والمقصود الأقصى منها الحرمةُ الكبرى ، فإذا حصّلها الزوج بالطلقة الثالثة ، فقد حصل تمام مقصودها ، والعدد لعينه لا معتبر به ، فإن الأموال إنما تقابل بمقاصدَ معقولةٍ . فلا يبقى بعد ذلك إلا ما أورده المزني من إحالة الحرمة على الطلقات الثلاث ، وقد يشبِّه المزني ذلك بإحالة السُّكر على الأقداح السابقة واللاحقة . وهذا موضع التثبت ، [ فللقدح الأول والأخير ] ( 1 ) أثرٌ في العقل مخامرة وتخميراً . ولا يحصل بالطلقة الأولى من تحريم النكاح شيء ، ولو فرض حصولٌ لا يتبعّض ، وإذا شبه المشبه ما نحن فيه بتغريق السفينة بتثقيلها بكثرة الشِّحنة ، وكلُّ قدرٍ يُغوِّص من السفينة قدراً ، فلا نظر إلى هذه الأجناس ، والذي نحن فيه ليس في معناها ؛ فإن شيئاً من حرمة العقد لم يحصل ، وإنما تحصل حرمةُ العقد خصلةً واحدةً - من غير ترتب وتبعّض - بالطلقة الثالثة . ثم إذا وضح أن النظر إلى تحصيل المقصود ، فالمناقشة في العلة لا معنى لها . وقد حصّل الزوج كلّ المقصود ، وما كان حَصل من هذا المقصود شيء قبلُ . وأما وجه مذهب المروزي ، فهو أنها إن كانت جاهلةً ، فقد ثبتت المقابلة على معادلة المسمى ما سألته من العدد ، فيجب رعاية قصدها ، وهي مقدورة . فأما إذا سألت الثلاث ، والسؤال يتعلق بالاسقبال ، فيستحيل حمل سؤالها على محالٍ ، فيتعين حمله على المقصود الذي علمته . وهذا ليس بشيء ، وليس ينقدح إلا النص ، ومذهبُ المزني ؛ فإنه يجوز أن يقال : إذا علمت أنه لا يملك الثلاث ، وسألت الثلاث ، قصدت تنقيص المسمى ، إذا استوفى الزوج ما يملك . هذا بيان أصول المذاهب تمهيداً وتوجيهها .

--> ( 1 ) ما بين المعقفين مكان كلمات مضطربة رسمت هكذا : " فلا قدح بل الآخر والأولة " .